ابن كثير
195
البداية والنهاية
على وجل من أهل المدينة ، فبعثوا قصادا وعيونا بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاؤوا للحج لا لغيره ، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله ، ما جئنا إلا لذلك ، واستأذنوا للدخول ، فكل الناس أبى دخولهم ونهى عنه ، فتجاسروا واقتربوا من المدينة ، وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجار الزيت ، عليه حلة أفواف ، معتم بشقيقة حمراء يمانية ، متقلدا السيف وليس عليه قميص وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه ، فسلم عليه المصريون فصاح بهم وطردهم ، وقال : لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا لا صبحكم الله ، قالوا : نعم ! وانصرفوا من عنده على ذلك ، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي - وقد أرسل ابنيه إلى عثمان - فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم وقال لهم كما قال علي لأهل مصر ، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة . فرجع كل فريق منهم إلى قومهم ، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم ، وساروا أياما راجعين ، ثم كروا عائدين إلى المدينة ، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير ، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها ، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان ، وقالوا للناس : من كف يده فهو آمن ، فكف الناس ولزموا بيوتهم ، وأقام الناس على ذلك أياما . هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون ، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلي بالناس ، فيصلي وراءه أهل المدينة وأولئك الآخرون . وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم ، حتى قال علي لأهل مصر : ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم ؟ فقالوا : وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا . وكذلك قال البصريون لطلحة ، والكوفيون للزبير . وقال أهل كل مصر : إنما جئنا لننصر أصحابنا . فقال لهم الصحابة : كيف علمتم بذلك من أصحابكم ، وقد افترقتم وصار بينكم مراحل ؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه ، فقالوا : ضعوه على ما أردتم ، لا حاجة لنا في هذا الرجل ، ليعتزلنا ونحن نعتزله - يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه آمنا - وكان المصريون فيما ذكر ، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير ، فأخذوه ففتشوه ، فإذا معه في إداوة كتابا على لسان عثمان فيه الامر بقتل طائفة منهم ( 1 ) ، وبصلب آخرين ، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم ، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان ، والبريد أحد غلمان عثمان ( 2 ) وعلى جمله ، فلما رجعوا جاؤوا بالكتاب وداروا به على الناس ، فكلم الناس
--> ( 1 ) نص الكتاب في الطبري وفيه أمر عبد الله بن سعد بحبس وجلد ابن عديس البلوي وعمرو بن الحمق وسودان بن حمران وعروة بن النباع الليثي وحلق رؤوسهم ولحاهم . زاد ابن الأثير : وصلب بعضهم . ( الطبري 5 / 119 الكامل 3 / 168 ) . وفي فتوح ابن الأعثم 3 / 211 : اضرب عنق عمرو بن يزيد بن ورقاء صبرا . وعلقمة بن عديس البلوي وكنانة بن بشر وعروة بن سهم الليثي فاقطع أيديهم وأرجلهم وإذا ماتوا فاصلبهم وأما محمد بن أبي بكر فاحتل في قتله . ( 2 ) في الطبري ذكره : أبو الأعور السلمي . وفي فتوح ابن الأعثم : غلام أسود ، لم يسمه .